فخر الدين الرازي
160
تفسير الرازي
ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله * ( ولا تحمل علينا إصراً ) * مقدماً في الذكر على قوله * ( لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * . السؤال الثالث : أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا * ( لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء ؟ والجواب : المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل . قوله تعالى : * ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) * . إعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ * ( ربنا ) * وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ * ( ربنا ) * وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا ؟ . الجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعاراً بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أُخر . السؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟ . الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضاً